التكنولوجيا في المغرب.. من وسيلة ترفيه إلى عامل يهدد استقرار الأسرة

أفاد التقرير الوطني حول الأسرة لسنة 2025، الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، بمعطيات وُصفت بالمقلقة، تهم الحضور المتزايد للتكنولوجيا الرقمية داخل البيوت المغربية، حيث أضحت الأجهزة الذكية طرفًا ثالثًا يشارك الآباء في تربية الأبناء، في ظل ضعف واضح في آليات التوجيه والمراقبة الأسرية.
تهديد الهواتف الذكية لاستقرار الأسرة: حين يتحول القرب الرقمي إلى بعد اجتماعي
لم تعد الهواتف الذكية مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسر، إلى درجة أنها بدأت تؤثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقات بين أفرادها. هذا الحضور المكثف، رغم ما يحمله من فوائد، بات يطرح تساؤلات جدية حول تأثيره على استقرار الأسرة وتماسكها.
في كثير من البيوت، تحولت لحظات التجمع العائلي إلى مشاهد صامتة، حيث ينشغل كل فرد بشاشته الخاصة. اختفى الحوار اليومي تدريجيًا، وتراجعت فرص تبادل الحديث والمشاعر، ما أدى إلى ضعف الروابط الأسرية. فالأسرة التي كانت تقوم على التواصل المباشر، أصبحت اليوم مهددة بما يمكن وصفه بـ”العزلة الرقمية”.
من جهة أخرى، يشكل الإفراط في استخدام الهواتف مصدرًا متزايدًا للخلافات بين الأزواج. فالإهمال العاطفي، والانشغال المستمر بمواقع التواصل، قد يُفسر من الطرف الآخر كنوع من اللامبالاة أو التجاهل، ما يفتح الباب أمام سوء الفهم وتفاقم النزاعات. كما أن بعض السلوكيات المرتبطة بالاستخدام غير الواعي، مثل إخفاء المحادثات أو الإدمان على العالم الافتراضي، قد تؤدي إلى فقدان الثقة داخل العلاقة الزوجية.
أما الأطفال، فهم الفئة الأكثر تأثرًا بهذا التحول. فاعتمادهم المتزايد على الهواتف في الترفيه والتعلم، مقابل تراجع دور التوجيه الأسري، يجعلهم عرضة لمخاطر متعددة، من بينها الإدمان الرقمي، وضعف المهارات الاجتماعية، والتأثر بمحتويات غير مناسبة. وفي غياب رقابة فعالة، تصبح هذه الأجهزة بمثابة “مربٍّ بديل” قد لا يحمل دائمًا القيم الإيجابية.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن تحميل التكنولوجيا وحدها المسؤولية، بل يبقى الاستخدام الواعي والمتوازن هو العامل الحاسم. فتنظيم أوقات استعمال الهواتف، وتعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتخصيص لحظات خالية من الشاشات، كلها خطوات بسيطة لكنها فعالة في استعادة التوازن.
في النهاية، تظل الهواتف الذكية أداة، يمكن أن تقرّب أو تُباعد، تبني أو تهدم. والرهان الحقيقي ليس في التخلي عنها، بل في كيفية استخدامها بما يخدم استقرار الأسرة ويحافظ على دفء العلاقات الإنسانية داخلها.




التعليقات